عيني التي تكره النوم…
منذ نعومة أظفاري لم يكن النوم صديقاً لي البتة. كانت أسوأ أوقات اليوم بالنسبة لي هي أوقات النوم، وكان شعوري تجاهه يشبه شعور الواجب الذي أريد أن أتمه؛ لأتفرغ بعد ذلك للعب وممارسة ما أحب.
تحكي لي والدتي قصتي عندما كنت صغيراً وكيف عانت معي في ذلك؛ إذ كنت أستيقظ في منتصف الليل. وكانت تضع لي حافظة طعام سهلة الفتح في سريري، فأتناول الطعام ثم أرمي بالحافظة باتجاهها؛ لعلها تستيقظ وتخلصني من هذا السجن.
لم يكن سوء النوم ملازما لي في مرحلة الطفولة المبكرة فقط، بل كان – للأسف – صديق العمر الوفي.
عندما بدأت أكبر، كنا – كما هي عادة الكثير من أقراني – نقضي بعض أيام الإجازات لنبيت في منزل خالتي الكبرى، حيث يجتمع كل أبناء أخوالي ويمتلئ المجلس بالفرش والوسائد المجهزة للنوم أو للعراك أحياناً. لا زلت أتذكر أشكالها واختلاف ألوانها وأحجامها… شعور يبعث في نفسي طمأنينةً واشتياقاً.

كانت معاناتي في تلك الأوقات هي الاستيقاظ مبكراً في منزلٍ لا أستطيع التجول فيه واللعب كما أريد. كنت أتأمل السقف لساعاتٍ طويلة، وأتأمل وجوه أقراني وهم نائمون، وأتأمل التلفاز من بعيد وليس لي سبيلٌ للوصول إليه، وأتأمل مراوح السقف وهي تدور، وأركز على إحدى أذرعها محاولاً ألا يغيب عن ناظري ولو للحظة… ثم يأتي صوت الفرج على شكل قرقعة أكواب الشاي ورائحة الإفطار الشهية، ومعه صوت خالتي معلنةً انتهاء هذا الكابوس.
ومع تكرار مثل هذه المواقف كان لابد أن أُطور مهاراتي في التسلل والبحث عن مخرجٍ من مثل هذه المواقف، وهو ما حدث فعلا؛ إذ كنتُ أتسلل من فراشي باتجاه الفناء الخارجي لألعب بالكرة، أو ألاحق العصافير وأحاول اصطيادها، أو أعبث بالأشجار، أو أفعل أي شيء يسلِّيني حتى ينتهي وقت النوم بالنسبة إلى بقية البشر في هذا المنزل.
حتى مع دخولي المدرسة وبداية مشواري الدراسي في المرحلة الابتدائية لم تكن الأيام التي أغيب فيها عن المدرسة تختلف جذرياً – من حيث وقت الاستيقاظ – عن بقية الأيام، كان وقت الاستيقاظ واحداً دائماً. كنت أقضي تلك الأيام أمام التلفاز أشاهد الكرتون الكلاسيكي الأمريكي الذي تبثه القناة السعودية الثانية خلال فترة الصباح، والذي – بالمناسبة – لا أعرف كيف لم يسبب لي الرعب والشعور بالخوف في ذلك الوقت.

بقيت على هذه الحالة لفتراتٍ طويلة… كنت أكبر ويزداد طولي، وكان كل شيءٍ فيّ يتغير، إلا ساعات نومي كانت كما هي دائما. لم أكن أعرف من القيلولة سوى اسمها، ولم أكن أعرف كيف يستطيع الناس النوم في وقتٍ غير وقته المعهود. يومياً كنت أعود من المدرسة لآكل الغداء ثم أشاهد التلفاز وأذاكر دروسي، ثم ألعب ما استطعت، ثم أنام ما شاء الله أن أنام، لأستيقظ في وقتي المعتاد وأعيد الدائرة اليومية.
من يقرأ كلامي السابق يظن أني أحب السهر وأكره النوم، لكن الحقيقة على العكس تماما؛ فأنا إنسانٌ أتمنى لو أستطيع السهر ولا أنام أبداً، ولكني لا أستطيع ذلك ولا أطيقه. كلما حاولت أن أسهر ينتهي بي الحال نائما بين أصدقائي أو على أكتافهم، فيوقظوني لأذهب إلى المنزل أو يقومون بإيصالي إليه.
وبالمناسبة، طيلة حياتي الدراسية في التعليم العام والتعليم الجامعي لا أذكر أنّي ذهبت مواصلا من غير نوم إلى الاختبار مهما كانت صعوبته، ومهما قلت مذاكرتي له.
كنت – حتى مرحلة الجامعة – أظن أني شخصٌ طبيعي، حتى بدأت أسافر مع أصدقائي وألاحظ سلوكياتهم في النوم. كنت أستيقظ أولهم، أقوم بإعداد القهوة والشاي، وأستمتع بدشٍ ساخن، ثم أوقظ أصدقائي الذين بالكاد يستيقظون لنخرج سوياً. بدا لي الموضوع غريباً بعض الشيء، فبدأت بالتقصي حوله، واكتشفت أني أعاني من قلة النوم ، وأنّ ما أعتقد أنّه نقطة قوّة لي هو في الحقيقة نقطة ضعف، وقد تؤثر في صحتي مستقبلا.
فمتوسط خمس ساعات نوم في اليوم هو مسبب رئيسٌ للشيخوخة المبكرة – كما قرأتُ في إحدى المقالات التي كتبها طبيبٌ مختص بأمراض النوم.
سألتُ نفسي مرة: هل هناك عامل وراثي قد أثر فيَّ وسبب لي خللاً في ساعات نومي؟
توجهتُ بالسؤال مباشرةً إلى والدي ووالدتي، وكانت إجاباتهما مخيبة بالنسبة لي؛ فلا يعرفان حالةً مشابهة لحالتي البتة، لا في آبائهما ولا إخوانهما، ولا حتى إخواني يشبهونني، بل كانوا على النقيض تماما؛ إذ إنهم ينامون لساعات طويلة جداً مقارنةً بي، لتصل أحيانًا إلى اثنتي عشرة ساعة متصلة.
ومن طرائف ما مررتُ به حول هذه النقطة في رمضان الماضي، حين كانت والدتي تستيقظ صباحاً ثم تمر على حجرات إخوتي لتطمئن على أحوالنا. وكانت حجرتي وحجرة أخي متقابلتين، فكنت أسمعها تنهر أخي على ساعات نومه الطويلة، وتطلب منه الاستيقاظ واستغلال هذا الشهر بقراءة القرآن والذكر، ثم تخرج من عنده لتأتي إلي – وأنا مستيقظ للتو – لتنهرني وتطلب مني النوم والراحة كي أتقوى على قيام الليل وأستعد له جيدا.
مرت فترات من حياتي حاولت فيها تناول بعض العقاقير ذات العلاقة بتحسين جودة النوم، وكانت النتيجة جيدة من حيث عمق النوم، ولكن على مستوى الساعات لم يتغير شيء… ما زالت تلك الخمس ساعات هي صديقتي دائما.
الرسمة في أعلى المقالة للرسام جان فرانسوا ميليه، بعنوان ليلة مرصعة بالنجوم، حوالي عام 1850م

اترك رد