كيف يعيش الإنسان اللحظة؟
سؤالٌ مؤرّق يدعو إلى التفكير كثيراً.
في أحد الأيام، وبعد دوامةٍ من التشتت والتفكير اللامتناهي، قررتُ قراراً حازماً بأن أعيش اللحظة !!
ولكن ما إن بدأتُ بتطبيق الفكرة حتى راودني تساؤل: كيف نعيش اللحظة أصلاً؟ وماذا يعني عيش اللحظة؟
هل يُقصد بها ألا تفعل شيئاً سوى التأمل؟ أم يُقصد بها أن تنعزل عن أي مؤثرات خارج نطاق اللحظة؟ أم ماذا بالضبط؟
بدأتُ رحلة البحث عن إجابة عبر عدة مصادر، بدءاً من الأصدقاء ثم محركات البحث والذكاء الاصطناعي، لكن النتائج – وفق الأخير – كانت مخيبةً للآمال؛ فالتركيز على الأدوات كان السمة الأبرز في نتائجه: «تمرين 60 ثانية»، «تمرين الحواس»… بينما كانت مشكلتي تتمحور حول المفهوم لا حول الوسائل.
فعدتُ لأسمع آراء أصدقائي حول ما يعنيه عيش اللحظة بالنسبة لهم، وكانت إجاباتهم رائعة وتعبر عن المفهوم الخاص لكل إنسان في عيش اللحظة.
كان الأول صديقي إبراهيم، وهو شخص يحب توثيق اللحظات الجميلة والرحلات المختلفة والمناسبات. وكنا نعتب عليه – حسب زعمنا – لأنه لا يعيش اللحظة؛ إذ يستغرق وقته في التصوير من عدة زوايا، ويراجع الصورة ويتأكد أنها جيدة ومناسبة. فسألته عن وجهة نظره، فأجاب أنه يرى أن توثيق اللحظة من خلال تصويرها ضروريٌ جداً؛ إذ يقول إن ذلك لا يؤثر على عيش اللحظة بالنسبة له، وإنه بمجرد عودته لمشاهدة هذه الصور والفيديوهات تغمره السعادة ويعيش شعوراً مشابهاً لما عاشه في لحظتها.
أما صديقي نواف، فيبدو أن سؤالي له أثار شيئاً كامناً في نفسٍ مثقلة؛ فبدأ يتأمل حاله وكيف يعيش لحظاته، وظهرت له تفاصيل كثيرة من أيامٍ لا ينساها وأوقاتٍ لم تُمحَ من ذاكرته. وبعد تفكيرٍ طويل قرر الهروب من السؤال بطرحه على أقاربه ليسمع رأيهم: كانت إجابة الأول أن العزلة أمرٌ مهم لعيش اللحظة، وأجاب الآخر أن عيش اللحظة يعني أن تتقبل مشاعرك ببساطة؛ فتحزن إذا ألمّ بك أمرٌ محزن، وتفرح إذا ألمّ بك أمرٌ مفرح.
ثم عاد ليجيب هو بعد أن نقل لي رأي أقاربه، وقال إنه يعتقد أن جوهر عيش اللحظة يكمن في البيئة المحيطة باللحظة لا في نفسه؛ بمعنى أن يعبر عن شعوره بالسعادة في اللحظات السعيدة حتى يخلق بيئة سعيدة في محيط اللحظة، وينعزل في اللحظات الحزينة حتى لا تؤثر لحظته على لحظات الآخرين. وفي صلاته يبحث صديقي عن عيش اللحظة من خلال الشعور بالطمأنينة والسكينة. وأشار في النهاية إلى قضية تجنب المشتتات كالجوال وغيرها، إذ يعتبرها من أعداء اللحظة. ثم ختم رسالته لي بقوله إن عيش اللحظة يعني التمعن في تفاصيل اللحظة، والإنصات إلى الأصوات المحيطة، والصمت.
وفهمت من نواف أن مفهوم اللحظة بالنسبة له يرتبط بالمشاعر ومشاركتها، والقدرة على التأمل في التفاصيل، وأخيراً في الصمت والإنصات.
أما عمر فيعتقد أن من أهم أسباب عيش اللحظة ألا تفكر إلا في يومك، وألا تؤجل مهامك وأعمالك حتى لا تنسحب معك في بقية يومك.
أما مشاري فيعتقد أن هناك ثلاثة عناصر مهمة لعيش اللحظة: الأول أن تكون في مكانٍ بعيدٍ عن محيطك المعتاد، والعنصر الثاني يكمن في الصمت، والعنصر الثالث هو التأمل. كما يظن أن محاولة توثيق اللحظة من خلال تصويرها شيء ينافي مفهوم عيش اللحظة؛ لأن تصويرها يحفز الذاكرة على نسيانها وعدم الاستمتاع بها بقدرٍ كافٍ، لاعتقاده أن بإمكانه حبس اللحظة في صورة أو فيديو وإعادة استثارتها في كل مرة ينظر إليها.
أخيراً، يعتقد صديقي فهد أن عيش اللحظة يعني الامتلاء والغرق في تفاصيلها بكل حواسك؛ فعينك تُبصر ما تعيشه الآن، وأذنك تسمع، وأنفك يشم عبير المكان، ولسانك يتذوق، وعقلك يعالج هذه التفاصيل ليضعك في قلب إدراك اللحظة؛ فيكون فكرك وقلبك حاضرَين في اللحظة.
بعد تأمل هذه الإجابات المتباينة، أعتقد أن كل إجابة نظرت للحظة من زاوية مختلفة، وأن اللحظات تُعاش بحسب مفهوم من يعيشها، وأن هناك دائماً مساحةً لعيش اللحظة بطريقة مختلفة.
أما عن مفهومي أنا لعيش اللحظة فما زلت أبحث عنه
اللوحة في أعلى المقالة للرسام “Michael Handt”، بعنوان “منظر صيفي لقرية صغيرة”

اترك تعليقاً