إن المتأمل في العبادات التي شرعها الإسلام يجد أن فيها نمطاً يكاد يكون موجوداً في أغلبها، وهو «الدورية»، فدورية الصلوات الخمس يومية، ودورية الجمعة أسبوعية، ودورية الأيام البيض شهرية، ودورية الحج وصيام رمضان والأعياد سنوية، وغيرها من الأعمال الصالحة والمواسم التي لا يسع المقام لذكرها هنا.

يراودني الآن سؤال: ما معنى التكرار والدورية في هذه الأعمال؟ لو وسعنا منظورنا قليلاً سنجد أن هذه الأعمال ودوريتها ترتبط بسنن كونية، فالأرض تدور على نفسها كل يوم وليلة، وهو ما ينتج عنه النهار والليل. وأما القمر فيدور حول الأرض كل شهر، وهو ما ينتج عنه تشكل منازل القمر. وأما الأرض فتدور حول الشمس، وهو ما ينتج عنه تعاقب الفصول الأربعة. وأعمارنا اليوم – المحسوبة بالسنوات – مبنية على كم دورةً للأرض حول الشمس عشناها.

تتشكل في ذهني الآن أثناء الكتابة، صورةٌ لحياة المؤمن: كأنهُ يجري في مضمار كبير، وداخل هذا المضمار يتشكل مضمار أصغر، ثم داخل هذا مضمار ثالث أصغر منهما، ثم مضمار رابع وهو أصغرها. يشكّل المضمار الأول «السنة»، ويشكّل المضمار الأصغر «الشهر»، ثم الأصغر «الأسبوع»، ثم أصغرها «اليوم»

يجري الإنسان خلال حياته في هذه المضامير، يبدأ جريانه فيها من لحظة الصرخة الأولى نتيجة انفتاق رئتيه ودخول الهواء، ثم يستمر جريانه حتى آخر نَفَسٍ يخرج منهما. وما بين النَفَس الأول والأخير يتزود من الزاد المعين له على الثبات في هذا المضمار، حتى يحقق الفوز العظيم المرتقب في النهاية.

أما رمضان ففيه شيءٌ غريب: كيف استطاع هذا الشهر أن يغير نمط حياة الإنسان؟ فآخر يومٍ في شعبان يشبه أي يومٍ آخر، ثم فجأة تضج وسائل التواصل بإعلان دخول الشهر، لتحل السكينة على القلوب وتزداد همة الإنسان في أداء الطاعات وطلب المغفرة والبعد عن المعاصي. ثم لا يكاد ينتهي الشهر حتى ينقسم الناس بعده على شقين: الشق الأول هم من غيّرهم رمضان، والشق الثاني هم من عادوا كما كانوا قبله.

أما عن الحكمة من هذا الشهر فهو سؤالٌ مؤرق: لماذا خص الله هذا الشهر من بين كل الشهور بعباداتٍ معينة كالصيام؟ هل فعلًا لنتذكر ونستشعر حال الفقراء والمساكين؟ لو تتبعنا نصوص الصيام سنجد مجموعة من النصوص المتعلقة به، أبرزها قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»؛ فقوله: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» توضيحٌ مباشر لحكمة الصيام، وهي التقوى.

وقال عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة، فإذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، وإن امرؤ سابه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم» رواه البخاري ومسلم.

وأما معنى «جنة» فهي «الوقاية»، وهي ذاتها معنى التقوى؛ فالتقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. فالصيام وقايةٌ في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة، وحفظ للجوارح، وفي الآخرة وقاية من النار.

فأنا الآن وأنا أكتب هذه التدوينة جالس لوحدي في غرفتي في نهار الثالث من رمضان، وبجانبي علبة ماء. ما الذي يمنعني أن أشربها وقد اشتد عطشي، وأنا أعلم يقيناً أن لا أحد سيراني من الإنس؟ إن ما يمنعني هو نفسه ما منع عبد الله بن حذافة السهمي من أكل لحم الخنزير وشرب الخمر في الأسر وقد اشتد به الجوع والعطش، فالإمساك عن الطعام تهذيبٌ للنفس وكسرٌ لشهوتها، وخضوعٌ وتذللٌ للمعبود سبحانه. وهذا هو معنى العبودية لله سبحانه، وإن كان ابن حذافة قد زاد على ذلك كراهة شماتة الروم بالمسلمين.

اشترك بالنشرة البريدية ليصلك جديد المدونة

الصورة الرمزية لـ معاذ

Published by

Categories:

اترك رد

اكتشاف المزيد من مدونة معاذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading