استيقظتُ ذات صباح في منتصف الأسبوع، فنظرتُ إلى الساعة لأجد أنني متأخر عن العمل، قفزتُ مسرعاً لأتهيأ وأخرج، وما إن ركبت السيارة وانطلقت حتى تذكرتُ نسيان حقيبة العمل؛ فعدتُ أدراجي لأخذها ثم عاودتُ الانطلاق. وبمجرد وصولي إلى العمل توجهتُ إلى قاعة الاجتماعات لألحق بالاجتماع الذي تأخرتُ عنه، ونظرات التوبيخ تلاحقني من زملائي.. لم أستطع التركيز، فقد كانت تصلني إشعارات من زملاء آخرين يطلبون ملفات، أو يسألون عن مهمة، أو يطلبون الموافقة على معاملة أو غيرها. ينتهي الاجتماع، فأغادر متجهاً إلى مكتبي، وبمجرد جلوسي يأتيني شعور بفقدان السيطرة، فهناك صراع قائم داخل عقلي، وما إن أستعيد تركيزي حتى يظهر مشتت آخر، ثم تنقضي الساعات ليحين وقت صلاة الظهر، فأذهب إليها متأخراً، أكبر تكبيرة الإحرام ثم لا أعي إلا وأنا في التشهد الأخير؛ فذهني ما زال في المكتب. أعود إلى هناك وضميري يؤنبني على حالي، فينتهي وقت العمل وأنا بالكاد أنهيت نصف المطلوب مني.

تأملتُ حالي كثيراً…. كانت قراءاتي متعثرة، وكثير من أهدافي الشخصية لم تتحقق، وكنت أقضي بقية يومي في حالة أقرب إلى السكون، لأستيقظ مجدداً في الغد لتكرار السيناريو ذاته، فأيقنتُ في لحظة ما أن هذا الروتين يجب أن يتوقف. في هذه اللحظة الإدراكية التي يعيها الإنسان، غالباً ما يتخذ مجموعة من القرارات القاسية ليرسم لنفسه خطة تغيير غير قابلة للتطبيق في يوم وليلة، وهي أدعى إلى الفشل من غيرها من القرارات، لكنني اتخذتُ قراراً واحداً فقط: سأنام مبكراً وسأستيقظ مبكراً.

واجهتُ صعوبة في البداية، ولم يكن الأمر يسيراً، خصوصاً على شخص يعشق القهوة ولا يستطيع الاستغناء عن كوب المساء، ورغم ذلك استطعتُ إعادة ضبط يومي لأنام مبكراً، وأتوقف عن تناول الكافيين في أوقات المساء وأكتفي بكوب قهوة في الصباح.

كنتُ أستيقظ مع أذان الفجر وأذهب لأصلي ثم أعود لأعيش ساعتي الذهبية. آآه أيتها الساعة الذهبية ما أجملك! حالة من الصفاء الذهني يعيشها المرء في هذه الساعة. كانت ليالي الشتاء طويلة، فيستطيع الإنسان فيها أن يأخذ كفايته من النوم بل وزيادة، ثم يستيقظ صباحاً بروح نشيطة ونفس مبتهجة. كنتُ أعود إلى المنزل بعد الفجر لأتهيأ للعمل، ثم أتوجه إلى هناك قبيل بدء وقت العمل.. أعد كوب قهوتي، وأقرأ صفحات من كتابي، وأتصفح عدداً من المصادر المعرفية، ثم أبدأ بمراجعة مهامي التي سأنجزها اليوم، فأذهب إلى اجتماع الصباح وأنا حاضر الذهن، ثم أعود لأكمل ما تبقى من مهام اليوم بتركيز عالٍ وذهن حاضر.

هذا هو تأثير الساعة الذهبية عزيزي القارئ.

عندما أتحدث عن الساعة الذهبية فأنا أتحدث عن الساعات الأولى من الصباح الباكر، تلك الساعة الهادئة التي لا ينشط فيها سوى الطيور وهبات النسيم العليل؛ فمن ذاق لذة الشعور في هذه الساعة لن يستطيع تفويتها.

تشكل الساعة الذهبية بالنسبة لي بوصلة ضابطة لمسار اليوم، فما دمتُ أحافظ على الاستيقاظ مبكراً وعيش الصفاء الذهني في هذه الساعة فإن بقية يومي يسير بشكل جيد.. لكن المشكلة في هذا النمط الذي أعيشه هي تأثر الجانب الاجتماعي، فنحن في الغالب أمة ليلية لا تنشط إلا في المساء، وخصوصاً في فصل الصيف، لذا أحاول تعويض هذا الجانب في نهاية الأسبوع أو من خلال اللقاءات القصيرة في آخر النهار.

أيضاً هناك جانب عجيب يعيه من عاش هذه التجربة، وهو ما نسميه بالبركة، فيستطيع الإنسان في هذه الساعة إنجاز ما لا يستطيع إنجازه في بقية اليوم، وهذا مصداق لما جاء في حديث صَخْرِ بنِ وَدَاعَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتي في بُكُورِها، وكَان إِذا بعثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشاً بعَثَهُم مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكان صَخْرٌ تَاجِراً، فَكَانَ يَبْعثُ تِجارتهُ أَوَّلَ النَّهار، فَأَثْرى وكَثُرَ مالُهُ. رواه أَبو داود والترمذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسن.

اللوحة في غلاف المقالة للرسام “Claude Monet”، بعنوان “انطباع، شروق الشمس”

اشترك بالنشرة البريدية ليصلك جديد المدونة

الصورة الرمزية لـ معاذ

Published by

Categories:

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من مدونة معاذ

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة